نصر حامد أبو زيد
73
الاتجاه العقلي في التفسير
الإشارة المادية - التي هي جزء من المواضعة - لا تجوز على اللّه لأنه ليس جسما ، وهي فكرة يطرحها كل من ابن جني والقاضي عبد الجبار . يقول ابن جنى : « والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضع أحدا من عباده على شيء ، إذ قد ثبت أن المواضعة لا بدّ معها من ايماء وإشارة بالجارحة ، نحو المومى إليه ، والمشار نحوه ، والقديم سبحانه لا جارحة له ، فيصحّ الايماء والإشارة بها منه . فبطل عندهم أن تصحّ المواضعة على اللغة منه » 113 . ويقول القاضي مؤكدا نفس الفكرة : « وأمّا أول المواضعات فلا بدّ فيه من تقدم الإشارة التي تخصص المسمى . . . ولذلك جوّزنا من القديم تعالى تعليمه لغة بعد تقدم المواضعة على لغة ، ولم نجوّز أن يبتدئ بالمواضعة لاستحالة الإشارة عليه سبحانه » 114 . وينتهي المعتزلة - تأكيدا لمبدأ التوحيد - إلى أن المواضعة على اللغات لا بدّ أن تسبق كلام اللّه حتى يقع مفيدا ، ولا يجوز أن يبدأ اللّه المواضعة على اللغة ، لأن المواضعة تستلزم الإشارة الحسية التي لا تجوز عليه سبحانه فإذا تقدّمت المواضعة على لغة ما بين البشر ، فلا مانع عند المعتزلة بعد ذلك من أن يبدأ اللّه مواضعة على لغة أخرى . وهذه المواضعة الثانية لا تستلزم الإشارة الحسية ، لأن الكلام باللغة المتواضع عليها سابقا يغني - في هذه الحالة - عن الإشارة الحسية التي لا تجوز على اللّه . « يجوز أن ينقل اللّه اللغة التي قد وقع التواضع بين عباده عليها ، بأن يقول : الذي كنتم تعبّرون عنه بكذا ، عبّروا عنه بكذا ، والذي كنتم تسمونه كذا ينبغي أن تسموه كذا ، وجواز هذا منه سبحانه كجوازه من عباده » 115 . وإلى جانب ارتباط فكرة الاصطلاح في المواضعة اللغوية بقضية التوحيد ، فإنها ترتبط بقضية المعرفة من جانب التفرقة بين العلم الضروري والعلم الاكتسابي . فالإشارة الحسية - وهي شرط في المواضعة - قرينة المعرفة الضرورية ، أي أن الاسم حين يرتبط نطقه بالإشارة الحسية ، يقع العلم الضروري بأن هذا الشيء المشار اليه يدعى بهذا الاسم . وهذه المعرفة الضرورية تعدّ نتيجة للإشارة الحسية ، إذ هي معرفة ادراكية ، أو علم بالمدركات كما يقول المعتزلة . وإذا كانت هذه الإشارة الحسية لا تجوز على اللّه ، فإننا من جانب آخر لا يمكن أن نعرف قصده تعالى باضطرار ، كما نعرف قصد المتكلم العادي الذي يزاوج - عادة - بين الكلام والإشارة « أنه لا طريق إلى العلم بالمقاصد على جهة الاكتساب بالكلام ، وتعلقه بالمسمى » 116 . ونحن لا يمكن أن نعرف قصد اللّه تعالى باضطرار ، لأن هذه المعرفة لا تجوز « في حال التكليف كما لا نعلم ذاته باضطرار في حال التكليف » 117 . وليس الانسان وحده هو الذي لا يجوز عليه معرفة قصد اللّه معرفة ضرورية ،